عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

25

معارج التفكر ودقائق التدبر

ذلك من حيل ومغالطات يصطنعها المبطلون اصطناعا ، ويلفّقونها تلفيقا ، ويزخرفونها بالأقوال المنمّقة الخادعة . وليس الكافر من كان خالي الذهن من أدلّة الإيمان ، ولا من هو يبحث عنها ، ولا المتريّث حتّى تتّضح له أدلّة الإيمان ، بل هو العارف بحقائق عناصر الإيمان ، الّذي وضحت له أدلّتها وبراهينها ، إلّا أنّه غطّى عليها بحيله حتّى سترها ظلما وعدوانا . والمقصودون بقول اللّه عزّ وجلّ : فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ هم من كانوا عارفين الحقّ ، السّاترين له ولأدلّته بما يصطنعون من زخرف القول ، من الذين لم يستجيبوا لدعوة الرّسول إبان نزول سورة ( ق ) . والمشار إليه باسم الإشارة هذا هو فيما يظهر لي كون محمّد الّذي قال لهم إنّي رسول اللّه إليكم بشرا منهم ، زاعمين أن رسول اللّه لا يصحّ أن يكون بشرا من البشر ، متعامين عن أنّ جميع رسل اللّه السابقين قد كانوا بشرا ، وهذه هي القضية الأولى من القضيتين اللّتين أثارهما كفار مكّة إبّان نزول سورة ( ق ) . أمّا القضيّة الثانية فهي ما دلّ عليه قولهم كما جاء في التعبير القرآني . إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 ) . في هذه العبارة استفهام تعجّبيّ يتضمّن إنكار البعث ، بدليل كونه أمرا عجيبا بعيدا عن التصوّر ، إذ لم يشاهدوا موتى رجعوا إلى الحياة بعد موتهم ، ولا سيما بعد فناء أجسادهم وصيرورتها رفاتا مختلطا بتراب الأرض ، وجزءا منه . وقد طوى النّصّ من مقالتهم جواب [ إذا ] الشرطيّة ، إذ دلّت عليه مقالتهم ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ .